- Authors

- Name
- هاني الشاطر
كل فريق اشتغلت معه كان عنده أفكار منيحة أكتر من طاقته. هاي أبداً مش المشكلة. المشكلة بالاختيار — كيف بتطّلع ع تلاتين اتجاه وبتنتقي الخمسة اللي بيهمّوا، لما كل اتجاه ملفوف بخبرة، وشهادات، وقصة مقنعة؟
عشان هيك، لازم نحكي عن الطواويس. تحمّلني شوي.
سنة 1975، أموتس زهافي طرح "مبدأ الإعاقة" (handicap principle): الإشارة بتكون موثوقة بالظبط لأنها مكلفة. ذيل الطاووس — متر من العبث المتلألئ اللي بصرخ "كولني" لكل مفترس — بيشتغل كإشارة تزاوج مش رغم إنه سخيف، بل لأنه سخيف. بس طير لائق فعلاً بيقدر يتمشّى وهو شكله زي راقصة فيغاس ويضل عايش. الإشارة بتضل صادقة لأنه الكلفة حقيقية والـ feedback محلي: طاووس واحد، كم طاووسة، منطقة وحدة.
إحنا ما بنعيش بهالعالم. إشيين طلّعونا منه. أول اشي، بطّلنا نمرّر جينات وصرنا نمرّر أفكار — بس بالأول من شخص لشخص، وين التفاعل ضل صادق لأنه الناس بتقدر تردّ وتتأكد. تاني اشي، بلّشنا نبثّ. ما بتقدر تقعد قبال كل واحد بدك تأثّر فيه، فبتربط أفكارك بقصص، والقصص بتسافر لوين إنت ما بتوصل.
"أنا Bayesian." "إحنا بالـ information retrieval." "إحنا data scientists." هاي مش ادّعاءات معرفة. هاي رايات قبليّة. بتغرز وحدة، بتنتمي لقبيلة، والقبيلة بتصير شبكة نشر. الأفكار اللي بتناسب سردية القبيلة بتلاقي احتكاك أقل — بتنذكر أكتر، بتنسأل أقل، بينتوظّف عليها، بتترقّى فيها. التدقيق حقيقي. وعدم التوازن كمان حقيقي.
والشخص اللي غارز الراية مش دجّال. الإشارة المكلفة تبع الباحث — دكتوراه حقيقية، شهادات حقيقية، سنين حقيقية من الكدّ — هلق بتمرّر أفكار لآلاف. الكلفة حقيقية. بس الوظيفة تحوّلت من الجودة للانتشار. أوراق فخمة عمرها ما بتحطّ الـ baseline المحرج. أجندات بحث متشكّلة حسب اللي بيسافر منيح مش حسب اللي بيزبط. الخبرة حقيقية. علاقتها بالتحسّن القابل للقياس اختيارية.
فشو بتسمّي الوضع لما ما حدا عم يكذب بس الحقيقة طلعت برّا الصورة؟ هاري فرانكفورت فرّق بين الكذّاب والهبّاد. الكذّاب بيعرف الحقيقة وبيخبّيها. الهبّاد ما بيهمّه الحقيقة أصلاً.
إحنا بنحتفل بالنوع المتدنّي. "Fake it till you make it." المهندس الجديد اللي بيبالغ ع اللوح الأبيض، مؤسس الستارت-أب اللي بيسوّق منتج لسا مش موجود. سهل تكتشفه، سهل تخصمه، وبصراحة، أحياناً بيزبط. التمثيل واضح. بتقدر تحسبه بحسابك.
النوع الخطير هو اللي بسمّيه الهَبَد الراقي (high-functioning bullshit) — وشكله ولا اشي زي التمثيل. الهبد الراقي بيصير لما الخبرة الحقيقية، والشهادات الحقيقية، والإشارات المكلفة فعلاً بتتوجّه مش نحو الحقيقة — بل نحو التأثير. ما حدا عم يمثّل. وهاد اللي بيخلّيه صعب كتير. الباحث استبطن السردية القبلية لدرجة إنه التطوّر بيحسّ إنه دقّة. بيدافع عن مقاربته باقتناع صادق لأنه الاقتناع فعلاً صادق. ما بتقدر تلاقي تناقضات — ما في. ما بتقدر تكشف عدم صدق — ما في. الخداع الذاتي مش عطل. هو الدرع.
الإشي الوحيد الناقص هو التماس مع الواقع — حدا جرّب هاد؟ — وهالسؤال أبداً ما بيحسّ ملحّ لما السردية بهالتلميع. بيحسّ تقريباً قلّة أدب.
ممكن تفكّر إنه الحلّ واضح: خلّي الناس تدفع تمن إنها تكون غلط. طالب لمح جزء من هاد. Skin in the game: الإشارة بتكون موثوقة لما اللي بيشير بيتحمّل الخسارة. المبدأ سليم. بس البثّ بيكسره. الباحث اللي روّج للمقاربة الفخمة بكون غيّر شركتين لمّا تكتشف إنه البديل الممل هو اللي زبط. سمعته سليمة. إشارته سافرت لآلاف ما رح يشوفوا المتابعة أبداً. خارطة طريقك هي اللي امتصّت الكلفة.
الناس بتلاحظ، طبعاً. المهندسين بينتقدوا الـ over-engineering. البساطة هي المهارة الحقيقية! وبعدين بيصير اشي حلو ومرعب بنفس الوقت. SmolLM. التبسيط. نقد الإشارات المكلفة بيطلّع إشاراته المكلفة الخاصة — قبيلة جديدة، شهادات جديدة، شبكة نشر جديدة. الميتا-لعبة بتمتصّ النقد وبتضل ماشية.
إذا حتى رفض الهبد الراقي صار هبد راقي، وين بتوقف؟
بتوقف بغرفة اجتماعات، عم تدير ورشة خارطة طريق. اللوح مليان أفكار، وكل وحدة وراها طاووس — ورقة مرموقة، كلمة مفتاحية بمؤتمر، قصة نجاح من شركة تانية. عندك فريق، وربع سنة، ونتائج حقيقية حدا فوقك رح يحاسبك عليها — احتفاظ، إيرادات، latency، أي اشي مؤسستك فعلاً بتراهن عليه. إنت مش عم تختار شركاء تزاوج. إنت عم توزّع شهور هندسية.
وكل وحدة من هالأفكار بتشعّ ثقة حقيقية، مكتسبة بالكدّ، ومدفوع تمنها غالي. الاقتناع وراها صادق. ما حدا عم يكذب. بس الناس اللي طلعت منهم هالأفكار — كتّاب الورقة، خطباء المؤتمرات، اللي بنوا الإشي بمكان تاني — مش معلّقين إذا الاحتفاظ ما تحرّك.
هادا إنت. هادا الخطّاف. الاقتناع بيمشي سليم. وإنت بتاخد الـ dashboard.
واللي بيزيد الطين بلّة: أحياناً الخبير بيكون محقّ. وخصم الخبرة كلياً هو بحدّ ذاته راية قبلية تانية — وحدة كسولة. ما بتقدر تفرق بين خبير محقّ وخبير مأسور. شكلهم نفس الشي، صوتهم نفس الشي، إحساسهم من جوّا نفس الشي. فبطّل تحاول تفرق. جرّب الفكرة بدل ما تحكم ع المصدر.
ما في مخرج نظيف من هاد. ما بتقدر تتأكد من كل اشي. هيك هي الدنيا. بس بتقدر تصغّر الغرفة لحجم ضيعة — صغيرة كفاية لتنزل العواقب ع الأفكار، مش ع خارطة طريقك.
رجّع جلدك للّعبة — لعبتك إنت. قبل ما حدا يتعلّق، اتفقوا شو شكل الفشل. "إذا ما شفنا X% تحسّن بأسبوعين، بنوقف." اكتبها. إذا صاحب الفكرة ما بدّه يحدّد شرط الخروج، السردية هي اللي عم تحكي — مش الدليل.
حدّد وقت وابطل بسرعة. الهبد الراقي بيزدهر بدورات تخطيط طويلة وين القصص بتتصلّب قبل ما حدا يجرّب. أسبوعين، مقياس واضح، امشي أو وقّف. حتى الـ R&D العميق بيقدر يجاوب سؤال واحد: شو بدنا نتوقّع نشوف بأسبوعين إذا هاد رح يزبط؟ إذا الجواب "ولا اشي، بس ثق بالرؤية" — هاي السردية مرة تانية.
حطّ سكور لتكسر السحر. اعطِ كل فكرة سكور: التحسّن المتوقّع بالمقياس × الثقة المبرَّرة × عكس الكلفة. الثقة لازم تكون مبرَّرة، مش محسوسة — شو الدليل اللي فعلاً موجود؟ الكلفة يعني الوقت لأول إشارة — قدّيش بسرعة بنعرف إذا هاد بيزبط أصلاً؟ أصعب بكتير إنه سردية تشيلك ع تلت أبعاد بدل بُعد واحد.
خلّي قتل الأفكار اشي مرموق. لما اشي ما بينجو من الداتا، الشخص اللي قتله بدري اشترى رجوع شهور هندسية. هادا أثمن اشي بمؤسستك: جواب سريع. خلّيه أكتر احتفاءً من الشخص اللي فكرته نجت لأنها أبداً ما انجرّبت.
ضلّ متشكّك بالسرديات، بما فيها هاي. "بس راقب المقاييس" هي كمان قصة. شبح غودهارت بيطارد كل dashboard انبنى. بس المقياس بيردّ. السردية بس بتقعد متأنّقة. لما تلحق المقياس الغلط، بالآخر بيقلّك. لما تلحق السردية الغلط، ما في اشي بينكسر — بس بيحسّ صح، ربع ورا ربع، لحد ما حدا يشغّل الـ baseline المحرج والغرفة بتسكت.
ذيل الطاووس بيشتغل لأنه الكلفة حقيقية والـ feedback محلي. ما بتقدر تصلّح مشكلة الإشارات بالعالم كله. بس بتقدر تصغّر الغرفة كفاية لتشتغل زي ضيعة من جديد — وين العواقب بتنزل ع الأفكار، مش ع المهن، والـ feedback loop أقصر من تغيير وظيفة.
الريش خلّاب. تجاهله. راقب النتيجة. ولما المقياس يكذب — ع الأقل رح تعرف. السردية أصلاً ما عرضت عليك هالخيار.