انتقل إلى المحتوى
نُشر في
·5 دقيقة للقراءة

تجاهل الريش

ترجمة آلية·شوف الأصل
الكاتب
  • Avatar of هاني الشاطر
    الاسم
    هاني الشاطر
    Twitter

كل فريق اشتغلت معه كان عنده أفكار عظيمة أكتر من طاقته على الإنجاز. هاي أبداً مش مشكلة. التحدي بيكمن بالاختيار: كيف بتختار من بين ثلاثين اتجاهاً الخمسة اللي بيستحقوا وقت الفريق، وكل اتجاه وراه خبرة وشهادات وقصة مقنعة؟

عشان نفهم هالمشكلة، لازم نحكي شوي عن الطواويس. تحمّلني.

سنة 1975، اقترح أموتس زهافي مبدأ الإعاقة. الفكرة إن الإشارة المكلفة ممكن تكون دليلاً على الجودة إذا كان تقليدها مكلفاً لدرجة ما بتستاهل عند الأضعف. ذيل الطاووس هو المثال اللي بعلق بالراس: متر من العبث المتلألئ، وطير لابس زي راقصة بلاس فيغاس. بس الفكرة مش إن كل استعراض غالي لازم نصدّقه؛ صدق الإشارة بيعتمد على العلاقة بين كلفة إظهارها والقدرة اللي المفروض تدلّ عليها.

بالعلاقات المباشرة، بتقدر ترجع لصاحب النصيحة، تناقشه، وتشوف شو صار لما طبّقتها. بس لما نفس النصيحة توصل لآلاف الناس، هالعلاقة بتضعف. صاحب الفكرة ما بقدر يقعد مع كل واحد رح يتأثر فيها. فبتصير القصة اللي حواليها هي وسيلة انتشارها، وبتوصل لأماكن ما رح يوصلها صاحبها ولا يتابع نتائجها.

«أنا Bayesian». «إحنا شغلنا information retrieval». «إحنا data scientists». أحياناً هاي العبارات بتعمل أكثر من تعريف التخصص: بتعلن الانتماء. بترفع راية، وبتلاقي قبيلة تتبناها وتنشر أفكارك. والأفكار المنسجمة مع حكاية القبيلة بتلاقي طريقاً أسهل: اقتباسات أكثر، وأسئلة أقل، وفرص أحسن بالتوظيف والترقية. التدقيق موجود، بس مش كل فكرة بتواجه نفس القدر منه.

وصاحب الراية مش بالضرورة دجّالاً. عنده دكتوراه حقيقية، وخبرة حقيقية، وسنوات تعب ما حدا بقدر ينكرها. المشكلة إن هالرصيد ممكن يصير وسيلة لنشر الأفكار، من غير ما يضل مربوطاً بجودتها. بتطلع أوراق مبهرة ما بتقارن حالها بالـ baseline البسيط والمحرج، وأجندات بحث بتتشكّل حسب اللي بيلفت الانتباه أكثر من اللي بيحل المشكلة. الخبرة موجودة؛ الدليل على الفائدة مش دائماً موجود معها.

شو بنسمّي هالحالة، لما ما حدا عم يكذب بس الحقيقة بطّلت محور الحكي؟ هاري فرانكفورت فرّق بين الكذّاب والهبّاد: الكذّاب بيعرف الحقيقة وبيحاول يخبيها، أما الهبّاد فما بيشغل باله إذا كلامه طابقها أصلاً.

النوع البسيط من الهبد مألوف، وأحياناً بنحتفل فيه: «Fake it till you make it». مهندس جديد بيبالغ بقدراته، أو مؤسس شركة بيسوّق منتجاً لسه ما بناه. بتشوف المبالغة وبتاخدها بالحسبان. وأحياناً، فعلاً، بيلحق صاحبها حاله وبيعمل اللي وعد فيه.

النوع الأخطر هو اللي بسمّيه الهبد الراقي (high-functioning bullshit). هون الخبرة حقيقية، والشهادات حقيقية، والجهد مبذول فعلاً، بس كل هالرصيد مسخّر للتأثير أكثر من البحث عن الحقيقة. وصاحبه ممكن يكون مقتنعاً بكل كلمة. الباحث تشبّع بحكاية تخصصه لدرجة صار التعقيد عنده علامة على الدقة، وصار الدفاع عن المقاربة دفاعاً عن فهمه للعالم. مش سهل تلاقي تناقضاً تفضحه، لأنه عم يحكي بصدق. الخداع الذاتي هو اللي بحمي الفكرة من المراجعة.

الناقص سؤال بسيط: حدا جرّب إذا هالحكي بزبط؟ بس قدّام هالخبرة والعرض المتقن، السؤال ممكن يطلع كأنه تشكيك قليل أدب.


الحل اللي بخطر بالبال: خلّي صاحب الادعاء يتحمّل عواقبه. هاي الفكرة اللي بشدّد عليها نسيم طالب في Skin in the Game. بس انتشار الأفكار بيفصل النصيحة عن كلفتها. الباحث اللي أقنعك بالمقاربة المعقدة ممكن يكون انتقل لشركتين غير شركتك قبل ما تكتشف إن البديل البسيط كان أنسب. سمعته بخير، وآلاف اللي سمعوا التوصية ما رح يسمعوا شو صار بعدها. أما فريقك، فدفع من وقته وخطته.

المهندسون بينتبهوا لهالمشكلة، طبعاً. بعلو الصوت ضد الـ over-engineering: البساطة هي المهارة الحقيقية! وبعدين بصير إشي جميل ومرعب. SmolLM، والنماذج الصغيرة، والتبسيط نفسه بيصير إلهم جمهور وهوية وشارات انتماء. حتى نقد الاستعراض بصير فرصة للاستعراض. اللعبة بتستوعب الاعتراض وبتكمّل.

طيب، إذا حتى الاعتراض على الهبد الراقي ممكن يصير هبداً راقياً، على شو بتستند بقرارك؟


خلينا نرجع لغرفة الاجتماعات. عم تخطط لشغل الربع الجاي، واللوح مليان أفكار، وكل فكرة وراها طاووس: ورقة مرموقة، أو محاضرة رئيسية بمؤتمر، أو تجربة ناجحة بشركة ثانية. عندك فريق ووقت محدود، ونتائج رح تتحاسب عليها: رجعة المستخدمين، والإيرادات، وسرعة الاستجابة، أو أي هدف مؤسستك ملتزمة فيه. هون ما عم تختار شريك تزاوج؛ عم تقرّر وين يروح جهد فريقك بالأشهر الجاية.

الأفكار مقنعة، والثقة اللي وراها مكتسبة من تعب وخبرة. بس كتّاب الأوراق، والمتحدثين بالمؤتمرات، والناس اللي نجحت معهم الفكرة بمكان ثاني، مش هم اللي رح يتحاسبوا إذا ما نفعت عندك. هم بيكملوا شغلهم، وإنت بتضل قدام لوحة النتائج، تشرح ليش قضيت الربع كله بمقاربة ما حرّكت شيئاً.

والأصعب إن الخبير أحياناً بيكون محقّاً. تجاهل الخبرة بالجملة موقف قبلي كمان، وكسول فوقها. الخبير المصيب والخبير الأسير لفكرته ممكن يحكوا بنفس الثقة ويستندوا لنفس المؤهلات. الحكم على شخصيتهم ما رح يحسم قرارك. بدك تختبر الفكرة نفسها.


أكيد ما بتقدر تتحقق من كل شيء قبل ما تتحرك. بس بتقدر تقرّب التوصية من نتائجها، وتكشف ضعف الفكرة قبل ما تستهلك خطة الفريق.

اربط القرار بدليل واضح. قبل ما نتعلّق بالفكرة، نتفق شو اللي بخلينا نكمل، وشو اللي بخلينا نوقف أو نغيّر الاتجاه. بتجربة منتج قصيرة، ممكن نبحث عن تحسّن قابل للقياس. وبالبحث، ممكن يكفينا نثبت إمكانية المقاربة أو نكشف سقوط افتراض أساسي. اكتب شروط القرار قبل ما تعرف النتيجة.

حدّد شو بدك تتعلّم، وبأي مدة. اختار أصغر تجربة بتحسم سؤالاً مهماً، واعطها وقتاً وميزانية مناسبين. أسبوعان ممكن يكفّوا لنموذج أولي، وممكن يكونوا مدة عبثية لتجربة أطول. المطلوب نعرف شو رح نتعلّم عند المراجعة الجاية؛ مش كل فكرة مطالبة تجيب إيرادات قبل الجمعة.

خلّي تقديراتك تكشف افتراضاتك. قارن الأثر المتوقع، وقوة الأدلة، وكلفة الوصول لأول نتيجة مفيدة. ممكن تجمعهم بدرجة تقريبية، بس الكسور العشرية ما بتحوّل التخمين ليقين. لما توضّح سبب ثقتك وكيف قدّرت الكلفة، بصير أصعب على القصة المقنعة تمرّر القرار لحالها.

قدّر اللي بيوقف الفكرة بوقتها. اللي اكتشف بدري إنها ما بتزبط وفّر شهوراً من جهد الفريق. هاد إنجاز بيستحق التقدير، أكثر من فكرة عاشت طويلاً لأنها ما انحطّت تحت الاختبار.

راجع حتى هالنصيحة. «راقب المقاييس» ممكن تصير حكاية مريحة كمان. المقياس الغلط بقدر يتحسّن والمنتج يتراجع. قارنه بتجربة الزبائن، وراقب الآثار الجانبية، وخذ التفسيرات البديلة بجدية، وجرب الـ baseline المحرج. وجود لوحة بيانات ما بضمن إنك شايف الواقع.

ما بتقدر تصلّح كل طرقنا باستعراض الخبرة وتداول الأفكار. بس بفريقك، بتقدر تخلي الدليل ملازماً للادعاء، وتراجع القرار بعد ظهور نتائجه، وتقدّر الشخص اللي ساعدك تكتشف إنك غلطان.

الريش خلّاب. تجاهله. راقب النتيجة، وضل تأكد إنها النتيجة اللي بتهمّك فعلاً.